- خلاصة ما جاء في خمسة وثلاثون تفسيرا للقرآن الكريم حول الفسادين والعلوين لبني إسرائيل.
وبعد استعراض ما ورد في تفسير الشيخ عبد الكريم الخطيب والشيخ محمد متولي الشعراوي نعود لاستعراض ما ورد في أغلب التفاسير والتي أكد أغلبها أن الفساد الأول أنهاه بختنصر . وقد اختلفت التفاسير حول الفساد الثاني ونهايته.
ونورد هنا مقارنة واستنتاج بما يؤكد صحة ما أورده الشيخان عبد الكريم الخطيب والشيخ محمد متولي الشعراوي حول الفساد الثاني ونهايته المرتقبة كما يلي :-
الآيات في سورة الإسراء تتحدث عن أرض القدس عن أرض المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله وأسرى بنبيه إليه من المسجد الحرام لتربط بين المسجدين ، بين أول مسجد بنى للناس بمكة المكرمة وثاني مسجد بنى بعده بأربعين سنه في القدس {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء:1). ثم تربط هذه الآيات بواو العطف بين أرض الإسراء وسيدنا موسى عليه السلام والتوراة التي أنزلت عليه {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً}{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}(الإسراء:2/3). ثم تربط الآيات بواو العطف بين هذه الآيات والآيات التي تليها عن فساد بني إسرائيل و تؤكد الآيات قضاء الله عز وجل إلى بنى إسرائيل في الكتاب في التوراة {لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}(الإسراء:4)، فسادين مربوطين بعلوين .
وقد أشارت التفاسير في أغلبها أن القوم يفسدون بقتل الأنبياء زكريا ويحيى عليهما السلام أو محاولة قتل سيدنا عيسى عليه السلام ، وأنهم يخالفون أحكام التوراة ، فيسلط الله عليهم من ينهى فسادهم إلا أن بعض التفاسير أغفلت جانب العلو المصاحب للإفساد (لَتُفْسِدُنَّ ، وَلَتَعْلُنَّ).
ففساد بني إسرائيل في أرض فلسطين متعدد.. لكن الآيات تتحدث عن فسادين وعلوين محددين. وبالتالي فإن التفاسير عندما أشارت إلى أن الفساد بأنه قتل سيدنا يحيى أو قتل سيدنا زكريا عليه السلام أو محاولة قتل سيدنا عيسى عليه السلام تركت الشق الثاني المصاحب للفساد وهو العلو الذي لا يتم إلا بقيام كيان لهم ودولة. كما أن الآيات تتحدث عن الفساد الأول بصيغة الماضي وتؤكد وقوع الفساد الأول {وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}. فالأفعال عن الفساد الأول {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً}(الإسراء:5). أنظر للأفعال (جَاء ، بَعَثْنَا ، فَجَاسُواْ , وَكَانَ) وكلمة مفعولا تؤكد الحدوث قبل نزول القرآن .
ثم تتحدث الآيات عن الكرة على من أنهى الفساد الأول بصيغة الماضي أيضا {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ثم تتحدث عن الأموال والبنين التي تراكمت في أيديهم {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} فأصبح اليهود يسيطرون على اقتصاد العالم وأصبحوا أكثر قوة ونفوذا بدعم النصارى وغير النصارى لهم {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} ثم تمعن الآية {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}(الإسراء:7) وكأنها تشير لطول الفترة بين نهاية الفساد الأول وبداية الفساد الثاني. ثم تنتقل إلى الفساد الثاني {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ} وكأن المسألة لم تعد تحتمل أي وقت كما حدث في نص إنهاء الفساد الأول ، عندما جاء النص { فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} ، بل يأتي الأمر الإلهي بإنهاء الفساد الثاني.
ثلاثة أفعال أمر (لِيَسُوؤُواْ - وَلِيَدْخُلُواْ – وَلِيُتَبِّرُواْ)، ويتم الاستدلال على الفاعل في نص الآية نفسها لأن الفاعل الذي ينهى الفساد الثاني مأمور بدخول المسجد الأقصى وهذا الفاعل قد سبق له أن دخل المسجد الأقصى... ولم يدخل المسجد الأقصى في التاريخ سوى المسلمون على يد الخليفة عمر بن الخطاب... فيصبح المأمورون بإنهاء الفساد الثاني هم المسلمون وهم المأمورون باستعادة الأقصى كما دخلوه أول مره وهم يعرفون الأقصى حق المعرفة فهو أولى القبلتين ومسرى الرسول (صلى الله عليه وسلم) .
وهناك دليل آخر بأن إنهاء الفساد الثاني يصحبه رحمة. رحمة بانتهاء الفساد أو رحمة بتوبة اليهود إن تابوا أو دخلوا في الإسلام {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} ونرى الترابط بين هذه الآيات والآيات التي تليها في قوله تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}(الإسراء:9) فهذه بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير .
وخلاصة لما جاء في التفاسيـر نستنتج ما يلي:-
1- إن أغلب التفاسير أجمعت أن الفساد الأول هو في مخالفتهم للتوراة وقتل بعض الأنبياء، وحبس ارميا، كما أن أغلبها رجح أن الذي أنهى الفساد الأول هو بختنصر.
2- إن ورود جالوت بأنه سلط عليهم لإنهاء فسادهم الأول يتعارض مع حقيقة أن مملكتهم وعلوهم قامت بعد أن قتل داود جالوت {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء}(البقرة:251) بعد أن أخرجوا من ديارهم وأموالهم .
3- إن الفسادين والعلوين لبنى إسرائيل هما حدثان محددان في تاريخ بنى إسرائيل والمنهي لكل فساد يجب أن يكون محددا ولا يمكن الإشارة إليه بواحد من احتمالات أربعه.
4- إن القاعدة الثابتة الأبدية {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} تؤكد أنه مهما تعددت إفسادات بنى إسرائيل فإن الله قد وعد بإنهاء فسادهم وعدا قاطعا .
5 - إن التاريخ يؤكد الحقيقتين التاليتين حول إنهاء فسادهم الأول :-
أ ـ حاصر سنحاريب الآشوري القدس لكنه تركها دون أن يحتلها حتى احتلها نبوخذ نصر ولهذا لا يعد سنحاريب منهي فسادهم الأول .
ب ـ احتل نبوخذ نصر القدس عام 586 ق.م منهيا فسادهم الأول ـ أي قبل ميلاد المسيح عيسى عليه السلام بـ 586 سنة، ولهذا لا يوجد ربط بين بختنصر ومقتل زكريا ويحيى ومحاولة قتل سيدنا عيسى عليه السلام لأن بختنصر سبق مجيء سيدنا زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام .