الفساد الثاني والعلو الثاني (حسب تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي) .
Jan 21,2007 00:00 by admin

1) ما ورد عن فساد بني إسرائيل في القرآن الكريم.

-  الفساد الثاني والعلو الثاني (حسب تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي) .

وجاء في تفسير الشيخ الشعراوي عن الفساد الثاني ما يلي [وفى الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف عهدنا وستكون لنا يقظة وصحوة نعود بها إلى منهج الله والى طريقه المستقيم وعندها ستكون لنا الغلبة والقوة وستعود لنا الكرة على اليهود. وقوله تعالى {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ} أي نلحق بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم لأن الوجه هو السمة المعبرة عن نوازع النفس الإنسانية، وعليه تبدو الانفعالات والمشاعر، وهو أشرف ما في المرء وإساءته ابلغ أنواع الإساءة. وقوله تعالى {وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي أن المسلمين سيدخلون المسجد الأقصى وسينقذونه من أيدي اليهود.

{كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}            

المتأمل في هذه العبارة يجد أن دخول المسلمين للمسجد الأقصى أول مره كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ( رضى الله عنه ) ولم يكن الأقصى وقتها في أيدي اليهود بل كان في أيدي الرومان المسيحيين.

فدخوله الأول لم يكن إساءة لليهود وإنما كان إساءة للمسيحيين ، ولكن هذه المرة سيكون دخول الأقصى وهو في حوزة اليهود ، وسيكون من ضمن الإساءة لوجوههم أن ندخل عليهم المسجد الأقصى ونطهره من رجسهم. ونلحظ كذلك في قوله تعالى {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} إن القرآن لم يقل ذلك إلا إذا كان بين الدخولين خروج .

إذن فخروجنا الآن من المسجد الأقصى تصديق لنبوءة القرآن، وكأن الحق سبحانه يريد أن يلفتنا إن أردتم أن تدخلوا المسجد الأقصى مره أخرى فعودوا إلى منهج ربكم و تصالحوا معه .  

وقوله تعالى {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ} كلمة الآخرة تدل على أنها المرة التي لن تتكرر ولن يكون لليهود غلبة بعدها.

وقوله تعالى {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (7) } يتبروا : أي يهلكوا ويدمروا ويخربوا ما أقامه اليهود وما بنوه وشيدوه من مظاهر الحضارة التي نشاهدها الآن عندهم .

لكن نلاحظ أن القرآن لم يقل ما علوتم إنما قال ما علوا ، ليدل على أن ما أقاموه وما شيدوه ليس بذاتهم وإنما بمساعدة من وراءهم من أتباعهم وأنصارهم، فاليهود بذاتهم ضعفاء لا تقوم لهم قائمة، وهذا واضح في قول الحق سبحانه عنهم {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} (آل عمران:112). فهم أذلاء أينما وجدوا ليس لهم ذاتية إلا بعهد يعيشون في ظله كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، أو عهد من الناس الذين يدافعون عنهم ويعاونونهم.

واليهود قوم منعزلون لهم ذاتية وهوية لا تذوب في غيرهم من الأمم ولا ينخرطون في البلاد التي يعيشون فيها، لذلك نجد لهم في كل بلد يعيشون فيه حارة تسمى حارة اليهود.. ولم يكن لهم ميل للبناء والتشييد لأنهم كما قال تعالى عنهم {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً} (الأعراف:168). كل جماعة منهم في أمة تعيش عيشة انعزالية... أما الآن وبعد أن أصبح لهم وطن قومي في فلسطين على حد زعمهم فنراهم يميلون للبناء والتعمير والتشييد.

ونحن الآن ننتظر وعد الله سبحانه ونعيش على أمل أن تنصلح أحوالنا ونعود إلى ساحة ربنا وعندها سينجز لنا ما وعدنا من دخول المسجد الأقصى وتكون لنا الكرة الأخيرة عليهم ، سيتحقق لنا هذا عندما ندخل معهم معركة على أسس إسلامية وإيمانية لا على عروبة وعصبية سياسية، لتعود لنا صفة العباد ونكون أهلا لنصرة الله تعالى، إذا طالما أن الحق سبحانه قال {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ} فهو وعد آت لا شك فيه بدليل أن هذه العبارة جاءت بنصها في أخر السورة في قوله تعالى {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} (الإسراء:104).

والمتأمل لهذه الآية يجد بها بشارة بتحقق وعد الله ويجد أن ما يحدث الآن من تجميع لليهود في أرض فلسطين آية مرادة لله تعالى، ومعنى الآية أننا قلنا لبنى إسرائيل من بعد موسى :  أسكنوا الأرض. وإذا قال لك واحد : أسكن فلابد أن يحدد لك مكانا من الأرض تسكن فيه فيقول لك أسكن بور سعيد ... أسكن القاهرة ... أسكن الأردن .أما أن يقول لك أسكن  الأرض !! فمعنى هذا أن الله تعالى أراد لهم أن يظلوا مبعثرين في جميع الأنحاء مفرقين في كل البلاد كما قال عنهم {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً} (الأعراف:168). فتجدهم منعزلين عن الناس منبوذين بينهم ، كثيرا ما تثار بسببهم المشاكل فيشكو الناس منهم ويقتلونهم ، وقد قال تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (الأعراف:167).

وهكذا سيظل اليهود خميرة عكننة ونكد بين سكان الأرض إلى يوم القيامة ، وهذه الخميرة هي في نفس الوقت عنصر إثارة وإهاجة للإيمان والخير، لان الإسلام لا يلتفت إليه أهله إلا حين يهاج الإسلام فساعة أن يهاج تتحرك النزعة الإيمانية وتتنبه في الناس . إذن فوجود اليهود كعنصر إثارة له حكمة، وهى إثارة الحيوية الإيمانية في النفوس فلو لم تثر الحيوية الإيمانية لبهت الإسلام. وبعد أن أسكنهم الله الأرض و بعثرهم فيها أهاج قلوب أتباعهم من جنود الباطل فأوحوا إليهم بفكرة الوطن القومي وزينوا لهم أولى خطوات نهايتهم.

لذلك يقول تعالى الأرض {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي أتينا بكم جميعا نضم بعضكم إلى بعض فهذه إذن بشرى لنا معشر المسلمين بأن الكرة ستعود لنا وان الغلبة ستكون في النهاية للإسلام والمسلمين وليس بيننا وبين هذا الوعد إلا أن نعود إلى الله ونتجه إليه كما قال سبحانه {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ} (الأنعام: 43) . ثم يقول الحق سبحانه {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} وعسى حرف يدل على الرجاء... والرحمة تكون للإنسان إذا كان في موقف يستحق فيه الرحمة، واليهود لن تكون لهم دولة ولن يكون لهم كيان بل يعيشون في حضن الرحمة الإيمانية الإسلامية التي تعطى لهم فرصة التعايش مع الإسلام معايشة كالتي كانت لهم في مدينة رسول الله يوم أن أكرمهم وتعاهد معهم.

ثم يهدد الحق سبحانه بنى إسرائيل  فيقول {وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} ، إن عدتم للفساد عدنا وهذا جزاء الدنيا وهو لا ينجيكم من جزاء الآخرة فهذه مسألة وتلك أخرى ] انتهى .

هذا ما استخلصته من تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي حول الفساد والعلو الثاني ونهايته ، وهو يؤكد ما جاء في تفسير الشيخ عبد الكريم الخطيب .