|
الفساد الأول والعلو الأول (حسب تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي).
Jan 21,2007 00:00
by
admin
استشهد الشيخ محمد متولي الشعراوي بكلمة عباد عن الفساد الأول {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} بأن العباد في الدنيا تنطبق على المؤمنين فقط وذلك كدليل أن الفساد الأول وقع في جزيرة العرب وأن الذي أنهاه هو الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فبعد أن استشهد بأن كلمة عبادا تقال للمؤمن وللكافر وأورد الأدلة التالية عليها [وقد تحدث العلماء في قوله تعالى {عِبَادًا لَّنَا} الإسراء فمنهم من رأى أن العباد والعبيد سواء، وأن قوله (عبادا) تقال للمؤمن و للكافر، وأتوا بالأدلة التي تؤيد رأيهم حسب زعمهم. ومن أدلتهم قول الحق سبحانه وتعالى في قصة عيسى عليه السلام {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) } (المائدة:118/116). والشاهد في قوله تعالى {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} . فأطلق كلمة (عباد) على الكافرين، وعلى هذا القول لا مانع أن يكون جالوت وبختنصر وهما كافران قد سلطا على بني إسرائيل. ثم استدلوا بآية أخرى تحكي موقفا من مواقف يوم القيامة. يقول تعالى للشركاء الذين اتخذوهم من دون الله {ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلآء} الفرقان:17). فأطلق كلمة (عباد) على الكافرين أيضا. إذا قوله تعالى {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} . ليس من الضروري أن يكونوا مؤمنين، فقد يكونون من الكفار، وهنا نستطيع أن نقول إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن ينتقم منهم ويسلط عليهم أمثالهم من الكفرة والظالمين فإذا أراد سبحانه أن ينتقم من الظالم سلط الله عليه من هو أكثر منه ظلما وأشد منه بطشا كما قال سبحانه {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (الأنعام:129)]. إنتهى. إلا أنه عاد لينقض هذه الحجج كما يلي [وإذا كان أصحاب هذا الرأي لديهم من الأدلة ما يثبت أن كلمة عباد تطلق على المؤمنين وعلى الكافرين، فسوف نأتي بما يدل على أنها لا تطلق إلا على المؤمنين. ومن ذلك قوله تعالى {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) } (الفرقان:67/63) إلى آخر ما ذكرت الآيات من صفات المؤمنين الصادقين فأطلق عليهم {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} . دليل آخر في قول الحق سبحانه في نقاشه لإبليس {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر:42) . والمراد هنا المؤمنون. وقد قال إبليس {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) } (ص:82/83). إذن هنا إشكال، حيث أتى كل بأدلته وما يؤيد قوله، وللخروج من هذا الإشكال نقول كلمة (عباد) و (عبيد) كلاهما جمع ومفردهما واحد (عبد) فما الفرق بينهما ؟ لو نظرت إلى الكون كله مؤمنه و كافره لوجدتهم جميعا لهم اختيارات في أشياء ومقهورين في أشياء أخرى. فهم جميعا عبيد بهذا المعنى يستوي في القهر المؤمن والكافر. إذن كل الخلق عبيد فيما لا اختيار لهم فيه. ثم بعد ذلك نستطيع أن نقسمهم إلى قسمين عبيد يظلون عبيدا لا يدخلون في مظلة العباد. وعبيد تسمو بهم أعمالهم وانصياعهم لأمر الله فيدخلون في مظلة عباد الله. كيف ذلك؟ لقد جعل الله تعالى لك في أفعالك منطقة اختيار. فجعلك قادرا على الفعل ومقابله، وخلقك صالحا للإيمان وصالحا للكفر. لكنه سبحانه وتعالى يأمرك بالإيمان تكليفا. ففي منطقة الاختيار هذه يتمايز العبيد والعباد، فالمؤمنون بالله يخرجون عن اختيارهم إلى اختيار ربهم، ويتنازلون عن مرادهم إلى مراد ربهم في المباحات فتراهم ينفذون ما أمرهم الله به. ويجعلون الاختيار كالقهر ولسان حالهم يقول لربهم : سمعا وطاعة. وهؤلاء هم العباد الذين سلموا جميع أمرهم لله في منطقة الاختيار فليس لهم إرادة أمام إرادة الله عز وجل. إذن كلمة عباد تطلق على من تنازل عن منطقة الاختيار وجعل نفسه مقهورا لله حتى في المباحات. أما الكفار الذين اختاروا مرادهم وتركوا مراد الله واستعملوا اختيارهم ونسوا اختيار ربهم، حيث خيرهم : تؤمن أو تكفر قال : أكفر ، تشرب الخمر أو لا تشرب قال : أشرب، تسرق أو لا تسرق قال: أسرق. وهؤلاء هم (العبيد)، ولا يقال لهم (عباد) أبدا لأنهم لا يستحقون شرف هذه الكلمة. ولكي نستكمل حل ما أشكل في هذه المسألة لا بد لنا أن نعلم أن منطقة الاختيار هذه لا تكون إلا في الدنيا في دار التكليف, لأنها محل الاختيار وفيها نستطيع أن نميز بين العباد الذين انصاعوا لربهم وخرجوا عن مرادهم لمراده سبحانه. وبين العبيد الذين تمردوا واختاروا غير مراد الله عز وجل في الاختيارات. أما في القهريات فلا يستطيعون الخروج عنها. فإذا جاءت الآخرة فلا محل للاختيار والتكليف. فالجميع مقهور لله تعالى, ولا مجال فيها للتقسيم السابق, بل الجميع عبيد وعباد في الوقت ذاته. إذن نستطيع أن نقول: إن الكل عباد في الآخرة, وليس الكل عبادا في الدنيا. وعلى هذا نستطيع فهم معنى (عباد) في الآيتين {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} (المائدة:118) وقوله تعالى الله {ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلآء} (الفرقان:17). فسماهم الحق سبحانه عبادا, لأنه لم يعد لهم اختيار يتمردون فيه, فاستووا مع المؤمنين في عدم الاختيار مع مرادات الله عز وجل. إذن فقول الحق سبحانه {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} (الإسراء:5) المقصود بها الإفساد الأول الذي حدث من اليهود في ظل الإسلام, حيث نقضوا عهدهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم), والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه عندما جاسوا خلال ديارهم, وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم من قتلوه وسبوا من سبوه] انتهى . هذا ما جاء في تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي. وللرد على هذه الحجة نورد الحجج التالية على أن كلمة عباد وردت في النصوص التالية للكافر والمؤمن:- أ - {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} كما ورد في الآية 30 من سورة يس. ب - والآية من سورة الحجر {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر:42) والغاوين جزء من العباد. ج - وجاء في حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في صحيح مسلم عن أبى هريرة .. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (ألم تروا إلى ما قال ربكم قال ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق بها كافرين يقولون الكواكب وبالكواكب). د - وفى حديث المصطفى (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب). هـ - وكما جاء في الحديث الشريف (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا). و - وحديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عن خروج يأجوج و مأجوج ووصفهم بالعباد وهم كفرة كما ورد في صحيح مسلم (إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ). وبهذا وردت كلمة عباد للكافر والمؤمن وهذا يفسر أن العباد الذين سلطهم الله على اليهود لإنهاء فسادهم الأول ـ بختنصر وقومه ـ كانوا كفره فسلطوا على اليهود {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (الأنعام:129). وبهذا نستنتج إلى أن ما ذهب إليه الشيخ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن بأن الفساد الأول انهي على يد بختنصر يطابق ما ورد في أغلب التفاسير وأن الفساد الثاني جاء بقيام دولة إسرائيل (1948) وأن الفساد الثاني سينهيه المسلمون كما أمر الله عز وجل {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} (الإسراء:7). والدخول للمسجد الأقصى ليس بدخول تهديم أو تخريب وإنما بدخول فتح ونصر كما حدث في دخول المسجد الحرام {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح:27) . قارن بين الأمر بدخول المسجد الأقصى {وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وبين الأمر بدخول المسجد الحرام {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ} . |